روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

9

مشرب الأرواح

شرف المقامات ولطائف المكاشفات فيقصدوا بأرواحهم في معالي الدرجات ويطلبوا منها رفيع المنزلات ، فإن بين العبد والربّ سبحانه منازل إذا لم يسلكوها لم يعرفوا حقائق العبودية والربوبية ، ولم يذوقوا حلاوة الوصال ولم يطعموا طعم المحبة في المشاهدات ، وهنالك مواضع الخطرات والامتحانات لا يقطعها إلّا من اقتحم أوائل هذه الدرجات وبلغ إلى أعلى النهايات حتى ينجو من مهالك الطريقة ويصل إلى معاني الحقيقة . ذكر أن الخضر عليه السلام قال : بين العبد وبين مولاه ألف مقام ، ولذلك قال ذو النون المصري ، وأبو يزيد البسطامي ، والجنيد ، وأبو بكر الكتاني رضي اللّه عنهم ، قال ذو النون : بينه وبين العبد ألف علم ، قال الجنيد : ألف قصر ، وقال الكتاني : ألف مقام ، وقال الجنيد : في طريق اللّه ألف مانع حاجز عن اللّه عزّ وجل فلا بدّ من الجواز عليهم ؛ قال أيضا : في الطريق ألف قصر في كل قصر قاطع من قطاع الطريق موكل على المريد السالك ؛ ولكل موكل مكر وغدر خلاف الآخر ؛ فإذا جاء السالك غدر الموكل معه شيء يعطى به فيمنعه عن الطريق ويحجبه عن اللّه ؛ فإذا كان الأمر بهذه المثابة فلا بدّ من عالم عرف المنجيات والمهلكات حتى يبين لهم أسرار المقامات ويصرح طريق التخلص عن الآفات ، وهذا وصف من أشرف بنور الحق على ما في غيب الحق كقوله عليه الصلاة والسلام : « للّه عزّ وجل صفوة من بريئته قسم لهم من حظوظ كل نفس فهم مشرفون على هموم الخلائق كلهم أجمعين ، وأن أبا بكر رضي اللّه عنه منهم ، فمن خصّ بهذا الوصف لهم علوم إلهية لدنية سرية نورية ملكوتية مستفادة من سير الأرواح في أنوار الأزليات والأبديات ووصولها إلى شاهد المشاهدات ، وسكرها وصحوها في لقاء سبحات الذات وانكشاف علوم الصفات » ؛ روى حذيفة أنه قال : سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن علم الباطن فقال : « علم بين اللّه عزّ وجل وبين أوليائه لم يطلع عليه ملك مقرّب » « 1 » فهؤلاء بهذا العلم هم أدلاء الطريقة وأطباء الخليقة جعلهم اللّه المعدودين من كثرة المؤمنين والصالحين ، وهم أوتاد الأرض ورواسي العلم خصّهم اللّه لأعلام ولايته ونيابة أنبيائه ورسله يهدون الخلق إلى الحق بسنتهم وآدابهم وطريقتهم » ، قال اللّه تعالى : وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ [ الأنبياء : 73 ] .

--> ( 1 ) هذا الأثر لم أجده فيما لدي من مصادر ومراجع .